عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
28
معارج التفكر ودقائق التدبر
تمهيد : هذا النصّ يكشف حال من سبق أن تلقّى آيات اللّه المنزّلات في الشرائع الربّانيّة السابقة لما أنزل على رسول اللّه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، من يهوديّ أو صابئيّ أو نصرانيّ أو غيرهم ، وبعد أن تلقّاها واحتوت عليه ، كما يشتمل جلد الحيوان على كلّ جسمه ، انسلخ منها ، فلم يعمل بها ، فعرّض نفسه لوباء الشّيطان ، فأتبعه الشّيطان مغويا مضلّا ، فتأثّر به فغوى ، فكان من الغاوين . التدبّر التحليلي : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ أتل : فعل أمر موجّه للرّسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أوّلا ، فلكلّ داع إلى اللّه من أمّته ، على سبيل الخطاب الإفرادي . فعل : « تلاه يتلوه تلوّا » أي : تبعه فهو « تال له » أي : تابع له ، واستعمل فعل « تلا يتلو تلاوة » في تلاوة القرآن ، بمعنى النّطق به ، مع تتبّع حروفه وكلماته كما أنزله اللّه ، فإذا كانت التّلاوة تتبّعا للمكتوب منه فهي قراءة . والضمير في عَلَيْهِمْ صالح لأن يراد به كلّ من يصلح لأن يتلى عليه القرآن من مؤمن وغيره ، والظاهر أنّ المؤمنين أولى من غيرهم بأن يتلى عليهم نصّ هذا الدرس من دروس السورة ، إذ يتحدّث عن قصص الّذين أتتهم آيات اللّه فآمنوا بها ، ولبسوها كجلودهم ، ولكن لم يطل بهم العهد حتّى انسلخوا منها . والغرض تحذير المؤمنين من أن ينسلخوا من آيات اللّه كما انسلخ منها الّذين من قبلهم ، وهم اليهود والنصارى وأمثالهما ، إذ تخلّوا عن اتّباع آيات اللّه المنزّلات على رسلهم ، والعمل بها .